لم تكن عودة اللاعبين الى ملاعب الدوري الأرجنتيني كأي يوم روتيني في هذا البلد الأميركي الجنوبي العاشق لكرة القدم، بل كانت الدموع والذكريات العنوان الأساسي بعد أن خسرت البلاد أسطورتها ​دييغو مارادونا​ الأربعاء عن 60 عاما إثر انتكاسة صحية.

وكان الظهور الأخير لبطل مونديال 1986 على ملاعب هذا الدوري قبل شهر مع فريق خيمناسيا الذي كان يدربه منذ أيلول/سبتمبر 2019، قبل أن يدخل الى المستشفى لإجراء عملية جراحية في الدماغ.

لكن ما كان يعتبر بمثابة كابوس بالنسبة لمشجعي كرة القدم الأرجنتينية والبلاد بأكملها، حصل الأربعاء مع الإعلان عن رحيل "الفتى الذهبي" جراء "انتفاخ رئوي حاد وتفاقم قصور مزمن في القلب" بحسب التشريح أولي، مدخلا بلاد التانغو في حزن عميق طال العالم بأكمله.

وبعد أن تحولت الملاعب الأوروبية هذا الأسبوع الى مسرح لتكريم من يعتبر أحد أعظم اللاعبين في تاريخ اللعبة الشعبية، حان الوقت أمام الفرق المحلية لكي تتذكر مارادونا في أول ظهور لها بعد الفاجعة.

وكان فريقا ​راسينغ​ و​أونيون دي سانتا​ في أول من يدخل أرضية الملعب في مباراتهما ضمن المرحلة الخامسة من دور المجموعات على ملعب "بريزيدنتي بيرون" في أفيادينا.

ودخل اللاعبون أرضية الملعب وهم يرتدون قميص المنتخب الوطني مع الرقم 10 الذي اشتهر به مارادونا خلال مسيرته الأسطورية في الملاعب، إن كان على صعيد المنتخب أو الأندية، لاسيما ​نابولي​ الإيطالي الذي بات بالنسبة لمشجعيه بمثابة "إله" بعد أن قاد الفريق الجنوبي لإحراز لقب الدوري المحلي مرتين كل من كأس الاتحاد الأوروبي وكأس إيطاليا مرة واحدة.

وأجرى اللاعبون الإحماء على أنغام أغنية "لايف لايف إز لايف"، أي "الحياة هي الحياة"، لفرقة البوب الأسترالية "أوبوس"، مع استعراض مقتطفات من لقطات رائعة في مسيرة مارادونا على الشاشة العملاقة في الملعب.

- "شكرا يا إلهي على كرة القدم، على مارادونا" -

واصطف اللاعبون حول دائرة منتصف الملعب وكرموا الأسطورة بدقيقة من التصفيق، قبل أن تُطلَق طائرة ورقية بلوني العلم الأرجنتيني مع الرقم 10، في إشارة الى لقب "كوزميك كايت"، أي "الطائرة الورقية الكونية"، الذي أطلقه المعلق الأوروغوياني فيكتور موراليس على الأسطورة بعد تسجيله الهدف الخرافي ضد إنكلترا في ربع نهائي مونديال 1986.

فبعد أربع دقائق على الهدف المثير للجدل الذي سجله في مرمى بيتر شيلتون بيده وأطلق عليه لاحقا "يد الله"، تلاعب مارادونا ببيتر بيردسلي وبيتر ريد وتيري بوتشر (مرتان) وتيري فينويك قبل أن يسجل ما وصف بهدف القرن، واضعا بلاده في المقدمة 2-صفر (انتهت المباراة 2-1).

وبحماس لا يوصف، تابع المعلق الأوروغوياني موراليس بالإسبانية "... أريد البكاء، يا إلهي، لتعش كرة القدم!... اعذروني، أريد البكاء! مارادونا في توغل لا ينسى، في أفضل لقطة بالتاريخ! يا أيها الطائرة الورقية الكونية، من أي كوكب أتيت لتترك خلفك هذا العدد من الإنكليز... شكرا يا إلهي على كرة القدم، على مارادونا، على هذه الدموع، على هذا التقدم الأرجنتيني ضد إنكلترا 2-صفر".

ولم تتغير مكانة مارادونا في عالم كرة القدم منذ حينها، رغم المواقف المثيرة للجدل التي رافقت مسيرته في الملاعب وخارجها، إن كان مع الإدمان على الكحول أو المخدرات.

بالنسبة للاعب وسط راسينغ ولتر مونتويا، فإن مارادونا "هو الأعظم، لا جدل في ذلك" بحسب ما قال السبت بدون أن يتمكن من كبح دموعه، مضيفا "لا داعي لقول أي شيء آخر، فكل الكلمات عبثية".

وكان الظهور العلني الأخير لمارادونا قبل أربعة أسابيع بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاده الستين في ملعب فريق خيمنازيا إسغريما الذي كرم مدربه الراحل بأفضل طريقة من خلال فوزه السبت في بوينس أيرس على فيلز 1-صفر.

وبدا التأثر واضحا على لاعبي الفريق قبيل صافرة بداية اللقاء، وعجز الكثير منهم عن كبح دموعهم وحتى أن البعض اعتبر أنه كان يفترض إرجاء المباراة، على غرار لاعب الوسط فيكتور أيالا الذي قال "من الجنون أن نلعب لأننا ما زلنا نعاني من هذه الضربة"، إلا أنه أردف "لكننا فعلنا ما علمنا إياه دييغو... بالنسبة لنا، كان بمثابة الأب. كان يتصل بنا كلما احتجنا الى شيء... من الأعلى (السماء)، يجب أن يكون فخورا بهذا الفريق".