مع انتهاء العام الدراسي ومجيئ العطلة الصيفية، يبحث الأهل ومعهم الأولاد عن نشاطات تملأ فراغ الصيف القاتل فعدا التنقل بين البحر و الجبل، يكون الإتجاه إلى نشاطات رياضية ترفيهية. وقد كانت المخيمات الكشفية في الماضي القريب الخيار الأول للأهل فكانت تستقطب أولادا من مختلف الأعمار وتكون ملاذهم في فصل الصيف.. لكن المتابعين لهذا الأمر يسجلون تراجعا ملحوظا لدور المخيمات وثقافة التخييم بشكل عام مقابل الإتجاه صوب الاكاديميات الصيفية التي تجمع الأولاد في رياضات عديدة...

تلك الأكاديميات التي بدات تنتشر انتشارا مهولا في السنوات الاخيرة لتمتد على مختلف بقاع الاراضي اللبنانية مع تشجّع الأهل على تسجيل أولادهم فيها.. فما واقع الأكاديميات الرياضية الصيفية في لبنان حاليا وما هو نشاطها ونظامها والطريقة التي تسير بها ؟

الزميل احمد علاء الدين توجه الى بعض الاكاديميات العاملة في اكثر من منطقة، واستطلع الاجواء والآراء، وعاد بالتالي:

 

نادي الشبيبة- الشياح

هي إحدى الأكاديميات المميزة التي بدأت نشاطها عام 2007 في عين الرمانة الشياح، إنها أكاديمية نادي الشبيبة. التقينا رئيس النادي والمسؤول الأول عن الأكاديمية عضو اتحاد كرة السلة ​فادي تابت​.

أخبرنا تابت ان المخيم الصيفي الأول الذي أقامته الأكاديمية كان عام 2008 و ضم ستة ألعاب هي: كرة القدم، كرة السلة، البادمنتون، كرة الطاولة، تايكواندو وكونغ فو. تستقبل الأكاديمية الأولاد من عمر الخامسة حتى الرابعة عشر، وتضم حاليا حوالي 243 ولدا من ذكور و إناث، كما تضم الأكاديمية مخيما خاصا محترفا للأولاد المميزين في لعبتي كرة القدم وكرة السلة لمدة 6 أسابيع صيفا مع استقدام مدربي منتخبات وطنية للإشراف على المخيم عبر برنامج متكامل من الناحية الفردية والجماعية والبدنية. وفي ختام هذا المعسكر الصيفي، يتم السفر لإقامة معسكر خاص في صربيا بالتعاون مع اكاديمية "يوباك".

ولفت تابت الى أن المخيم الصيفي للاكاديمية خرّج في السابق لاعبين بارزين على صعيد الرياضة اللبنانية كعلي مزهر،إيلي عزيز ميشال تابت وجو عاصي.

وأكد أن أكاديميته التي يدير كرة القدم فيها النجم الغني عن التعريف " وارطان غازاريان "  تتعاون مع أكاديمية " إيليت " التي يديرها المدرب الوطني إميل رستم لإعطاء فرصة للمواهب الصاعدة. كما حصل تعاون في السابق مع أكاديمية الارسنال، وحاليا يتم التحضير لتعاون مع أكاديمية دولية عريقة.

كما حققت الاكاديمية في لعبة التايكواندو نتائج مميزة خلال الموسمين الماضيين عبر نيل أفرادها لميداليات عديدة ذهبية وفضية في البطولات المحلية.

 

أما على صعيد أكاديمية كرة السلة فيفتخر تابت ان الاكاديمية كانت الخزان الاول لنادي الشبيبة، هذا النادي الذي تأسس منذ 12 عاما وتدعمه مجموعة من العائلات دون وجود أي دعم من جهة سياسية. وقد استطاعت فتيات الاكاديمية قيادة نادي الشبيبة إلى لقب بطولة الدرجة الثانية للسيدات والتأهل إلى الدرجة الأولى، كما أن فريق الرجال استطاع الوصول للدرجة الثانية وهذا ما جعل الإقبال على التسجيل في الاكاديمية أكثر وأكثر وتم تشكيل فرق للناشئين أيضا ذكورا و إناثا من أولاد الأكاديمية يشاركون في بطولات كرة السلة للفئات العمرية.

تابت ختم حديثه مؤكدا أن الأكاديميات شيئ جيد للرياضة والمجتمع و لكنها تأتي كلها كما كل شيئ في هذا البلد بمبادرات فردية، وهم كنادي شبيبة آمنوا بجدوى هذه الخطوة وساروا بها  لتأثيرها الإيجابي على الرياضة اللبنانية من ناحية ضخ مواهب صغيرة في السن لكل الالعاب وهو ما نجحت اكاديميته في تحقيقه في ألعاب عديدة رغم قصر عمرها الزمني.

 

"سويم فور لايف" و"غول فوتبول اكاديمي"- خلدة

من عين الرمانة، انتقلنا إلى الخط البحري لخلدة والتقينا ​عمار سحار​ وهو مدير اكاديميتين صيفيتين، الأولى لتعليم السباحة والثانية لكرة القدم.

أكاديمية السباحة " سويم فور لايف " دخلت عامها الثاني، مركزها في مسبح الفيلا مار-خلدة وتستقبل الأطفال من عمر 4 سنوات حتى 18 سنة. تعطي الاكاديمية دروسا في السباحة لمدة شهرين بمعدل حصتين كل أسبوع بمجموع ثماني حصص في الشهر الواحد. الحصص جميعها صباحية ومدتها ساعة ونصف. يوجد في الأكاديمية حوالي 30 طفلا، 20 منهم إناث والباقي ذكور.

ويقسم الأطفال إلى ثلاث فئات، من 4 الى 8 سنوات ومن 8  الى 12  سنة وما فوق 12 سنة، يتدربون جميعا بوقت واحد تحت إشراف ثلاثة مدربين منهم سيدة تشرف على تدريب الإناث. ويقام في نهاية الدورة الصيفية مهرجان لتوزيع جوائز على كل الأولاد المشاركين.

وفي موضوع السباحة، لفت سحار الى أن الموضوع ترفيهي بالدرجة الأساس، لأن السباحة في لبنان هي هواية ولا تنطبق عليها معايير الإحتراف لأن نادي الجزيرة هو فقط النادي المحترف في لبنان و الباقي هو عبارة عن أكاديميات تعليمية.

وفيما يخص أكاديمية كرة القدم، فاسمها " غول فوتبول اكاديمي " ومركزها في ملعب الأول سبورتس. مدة المعسكر في الصيف شهرين اثنين بمعدل حصتين كل أسبوع، مدة الحصة ساعة ونصف وتضم 32 ولدا من أعمار 6 حتى 16 عاما وفي نهاية الدورة يتم تنظيم بطولة فئات عمرية بين الأولاد المشاركين كنوع من مهرجان ختامي للدورة.

ويؤكد سحار ان الأكاديميات اليوم أصبحت منتشرة بكثرة والطريقة التي تدار بها شبه موحدة وهذا ليس بالأمر الجيد إذ أنه في هذا الموضوع بالتحديد، لا يهم كثرة الاكاديميات بل جودتها وما الجديد الذي تقدمه.

 

اكاديمية "القوة الضاربة"- جسر الباشا

هي أكاديمية حديثة العهد أيضا, تم تأسيسها عام 2010 وتضم بين 60-70 لاعبا ذكورا وإناثا من اعمار تتراوح بين 4 و 18 سنة... إنها اكاديمية " القوة الضاربة " .

إلتقينا مديرها ريمون حنا الذي أخبرنا أنها أكاديمية على شكل مدرسة بكل تفاصيلها من دوام صباحي بين 8.30 حتى 1.30 ظهرا، يتخللها استراحة للأولاد، لمدة 5 أيام في الاسبوع، يتعلمون فيها كرة السلة، كرة القدم، كرة الطائرة، البادمنتون وكرة الطاولة مع زيارات متبادلة أسبوعيا مع أكاديميات أخرى، كما أن التمرين مقسم حسب قدرات كل ولد من الناحية الفنية والمهارية.

وشدد حنا على أن الأولوية هي للنظام والتربية داخل هذا المخيم-المدرسة، ويفصل فورا اي طالب يشتم أو يضرب زملاءه، و شعار الأكاديمية هو " الصغير يحترم الكبير والكبير يسمع للصغير"  مشيرا الى ان الرياضة هي ثقافة قبل أن تكون فوزا و خسارة.

يفخر حنا أن بعض لاعبي الأكاديمية قد ذهبوا مباشرة إلى نواد عريقة في كرة القدم مثل نادي الراسينغ، أو شاركوا في دوري الجامعات و قدمت لهم جامعاتهم حسما للقسط بسبب ادائهم، وهذا بفضل الإهتمام و الرعاية التي وجدوها، كما بفضل اصرارهم ورغبتهم في التقدم.

واوضح انه يدعم اي لاعب من أكاديميته ينضم لأي ناد، بل و يسهل له هذا الامر لما فيه من خير للاعب وللأكاديمية في آن معا.

وختم حنا حديثه أن أكاديميته تهدف لإبعاد الاولاد عن الألعاب الالكترونية التي تسبب لهم الخمول وتحاول اقناع الاهل أن الرياضة هي الأساس في عملية تربية الطفل وأن تشجيعه على ممارسة الرياضة قولا و فعلا سيدفعه تلقائيا للابتعاد عن كل ما هو سيئ له ولجسده ولبيئته ولمجتمعه.

 

اكاديمية الجبل- مجدلبعنا

هو أحد أهم المخيمات الصيفية في منطقة الجبل ويحمل اسمها "اكاديمية الجبل"، دخل سنته الرابعة على التوالي ويقام على أرض ملعب نادي الجبل مجدلبعنا تحت إشراف مباشر من مدير النادي " علي عبد الخالق".

التقينا المدرب المسؤول عن هذا المخيم " ​فراس عبد الخالق​ " الذي أشار إلى أن مدة المخيم شهرين بمعدل ثلاثة تمرينات أسبوعيا و يوجد حوالي 200 ولد بين ذكور و إناث تتراوح أعمارهم بين الـ 4 و الـ 16 سنة. يقسم الأولاد المشاركون إلى 6 فئات حسب أعمارهم ويضم المخيم إلى جانب فراس الحائز على شهادات عديدة تدريبية من الإتحادين الأسيوي والدولي مدربين اثنين من اصحاب الاختصاص.

المخيم مخصص فقط للعبة كرة القدم وأكد عبد الخالق أن النادي الراعي للمخيم أي الجبل مجدلبعنا هبط إلى مصاف الدرجة الرابعة هذا الموسم وهو يخطط الموسم المقبل للاعتماد على خريجي المخيم في السنين الماضية الذين واكبوا الحدث منذ بدايته من 4 سنوات، هو إنجاز نفخر به كثيرا إذ ان المشروع يتعدى فكرة مخيم صيفي ترفيهي إلى ما هو ابعد من ذلك فهو استثمار في المواهب الصاعدة في الجبل كي تكون خزان النادي في المستقبل.

وعلى صعيد الإناث, ضم عبد الخالق ستة فتيات من الاكاديمية إلى فريق شابات الأخاء أهلي عاليه الذي يدربه والذي شارك مؤخرا في دوري الشابات اللبناني وحقق مركزا جيدا وهو انجاز يحسب للمخيم.

عبد الخالق ابدى سعادته بالصدى الإيجابي الذي يتركه المخيم سنة بعد سنة، فالأهل ينتظروه بشغف وهناك هدف بجعل المخيم على مدار السنة عندما يجهز الملعب بشكل كامل. ويفيدنا عبد الخالق في ختام حديثه أن أحد أهم أهداف المخيم هو خلق جو اجتماعي سليم عبر ابعاد الاولاد عن كافة الأمور الخاطئة والعادات السيئة كالتدخين والأرجيلة وما إلى هنالك، وعدم جعلهم أسيري التلفاز والاجهزة الإلكترونية والإنترنت فالعقل السليم يكمن في الجسم السليم.

 

كما أن الأكاديميات تلعب دورا مميزا في تأهيل الجيل الناشئ على المستوى الرياضي إلا أنها إذا تحولت لهدف تجاري ربحي بحت، فإنها بلا شك تكون قد حادت عن الخط الذي يفترض أن تكون فيه، وهذا يؤثر على نوعية المدربين وعلى طريقة تعليم اللاعبين أيضا.

من هنا، ومع أخذ العنصر المادي في موضوع المخيمات الصيفية الرياضية والأكاديميات، يبقى أن يكون هناك نوع من التوازن بين الشق التجاري والشق الرياضي الفني كي لا تتحول هذه المخيمات من نعمة إلى نقمة على الأولاد والرياضة بشكل عام.

إن انتشار فكرة الأكاديميات الصيفية في لبنان هو دليل خير وعافية خصوصا من ناحية الإهتمام بالاولاد  في عمر صغير وجلب مدربين لهم على مستوى عال كما في جذب الأولاد منذ نعومة أظافرهم للرياضة وإبعادهم عن كونهم " تنابل " لا يقوون على الحركة مسمرين أمام الأجهزة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي وملء وقت فراغهم الصيفي بأمور مفيدة لهم و للمجتمع كما في تعريف الأولاد بعضهم على بعض.

تشكل الأكاديميات في جميع أنحاء العالم جزءا اساسيا من السياسة الرياضية العامة لكل دولة وهي التي تشرف على الفئة الاهم، فئة الصغار التي تعتبر مستقبل الرياضة فإن صلحت كانت الرياضة بخير لذلك يكون إدارة الأكاديميات والإشراف عليها أمرا في غاية الأهمية فكلما كانت الجدية و المصداقية والسعي الجدي إلى تطوير الناشئين هو الهدف كلما تطورت قدرات الأولاد الصغار ما يزرع بذور النجاح التي تزهر مستقبلا واعدا من دون أدنى شك.

وهنا يجب على الاندية في كافة الرياضات متابعة هذه الاكاديميات الصيفية حتى تستطيع "قطف" النجوم الواعدين و الإهتمام بهم على مدار السنة لما لهذا الإهتمام من انعكاس ايجابي مباشر على رياضتنا و خصوصا فئاتها العمرية و المنتخبات الوطنية.