لطالما شكلت الشواطئ في العالم متنفساً للفقراء ومصدر إلهام لتبيان طاقاتهم ومواهبهم، إذ انها ليست مجرد أماكن للهو والتسلية إنما أيضاً مقصداً للتأمل والحلم بالنسبة لهم. ومن رحم معاناة هؤلاء يولد الإبداع ويبرز الأبطال في شتى الميادين لا سيما في الألعاب الرياضية على اختلاف أنواعها.

فعلى شواطئ كوباكابانا في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، أبصرت ​كرة القدم الشاطئية​ النور، وهناك نمت واكتسبت شهرتها منذ حوالي عقدين من الزمن لتصبح رياضة عالمية النطاق، حيث أقيمت أول بطولة للعالم في العام 1995. ونظمت بعدها العديد من الدوريات والبطولات كان آخرها كأس العالم (FIFA)  لكرة القدم الشاطئية / تاهيتي 2013، وتمكنت روسيا من حصد اللقب فيما حلت أسبانيا وصيفاً لها وتراجعت البرازيل الى المركز الثالث.

أما في لبنان، فلا يتمايز واقع كرة القدم الشاطئية عن غيرها من الرياضات المحلية، إذ يغيب الدعم المادي والمعنوي اللازم لتطويرها، على الرغم من كونها أقل الألعاب الرياضية تكلفة. إلاّ أن روح التحدي وقوة العزيمة لدى شباب لبنان، جعلت من المنتخب الوطني منافساً شرساً في البطولات القارية والتصفيات المؤهلة لكأس العالم. وقد كنا منذ فترة قصيرة جداً نعيش في أجواء حلم التأهل الى كأس العالم لكرة القدم الشاطئية التي ستقام في البرتغال 2015، لكن الحلم توقف ببلوغ أبطالنا المركز الرابع من تصفيات غرب آسيا.

كريم مقدام: مشكلة لبنان عدم وجود ملاعب وعلى الاتحاد ان يقدم الدعم

ماذا يقول أصحاب الشأن عن الوضع الميداني لكرة القدم الشاطئية اللبنانية اليوم؟ وما العثرات التي تواجهه؟ وبالتالي أي خطوات يجب إتخاذها لتحسين وتطوير أداء المنتخب في المستقبل؟؟

بدايةً كان لابد من لقاء مدرب المنتخب اللبناني الحالي، كريم مقدام الإيراني الجنسية، وكريم (39 عاماً) هو أول من وضع أسساً لكرة القدم الشاطئية في بلده إيران (2003-2011)، وكان مديراً فنياً للمنتخب الوطني الإيراني (2003- 2008) لينتقل بعده الى نادي(SAIPA)  الإيراني في العام 2010. ومن ثم يتسلم مهمة تدريب المنتخب اللبناني (2012- 2014) والمنتخب الكويتي في السنة الماضية، ليعود مجدداً لقيادة منتخب الأرز حالياً في 2015. وقد حصد في مسيرته هذه العديد من النجاحات والألقاب. وكان لنا حديث شيق معه استهله بالتعريف عن هذه اللعبة بالقول: إنّ كرة القدم الشاطئية هي رياضة جميلة جداً ولا تحتاج للكثير من المال والملاعب الكبيرة أو المبالغ الطائلة للإعتناء بالرمل، لذلك يمكن التمرين مدة 24 ساعة من دون أية مشاكل فيه.

وعند سؤالنا له لماذا إختار هذه اللعبة بالتحديد، أجاب:  كنت أمهد لكرة القدم الشاطئية في إيران سنة 2003، وكنت أعلم أن بلدي إيران لديه الشغف والحماس لهذه اللعبة، لذلك عملت جاهداً ووحيداً في اﻹتحاد اﻹيراني لكرة القدم الشاطئية وصنعت فريقأ قوياً جداً. أما سؤالنا التالي فكان، أين ومتى بدأ مهنة التدريب، ليختصر لنا كريم مسيرته المهنية بالتالي: بدأت في العام 2003 في طهران  وأنتم تعرفون أن في طهران لا يوجد رمال، لهذا استقدمت العديد من اللاعبين الجيدين والرمال إلى طهران وصنعت ملعباً وبدأت أدرّب.

وعن إدارته للمنتخب اللبناني، شرح مقدام الواقع عبر سياق منطقي وتحدث عن أنه من أصل 47 دولة آسيوية منظمة للجنة (AFC) يوجد 33 دولة لديها منتخبات وطنية لكرة القدم الشاطئية أبرزها: إيران - اﻹمارات العربية المتحدة - عمان - العراق - أوزباكستان، إنما عمان والصين يتمتعان دوري محلي في كرة القدم الشاطئية.

وكل بلد إذا كان يريد التأهل إلى كأس العالم لكرة القدم الشاطئية (FIFA) أو التتويج بلقب بطل آسيا، يحتاج إلى إيجاد لاعبين لهذة اللعبة بالتحديد، فلا يمكن للاعب كرة صالات أو كرة قدم عادية ان يلعب جيداً في كرة القدم الشاطئية. والكل يعلم أنه ليس لدينا ملاعب خاصة ورعاية لكرة القدم الشاطئية في لبنان، فمن دون هذه العناصر الأساسية الثلاث، لماذا نفكر بنتائج جيدة في اﻷلعاب الآسيوية أو التأهل إلى كأس العالم؟!

وتابع: أريد ان اقول شيئاً: قبل تأهل اليابان لكأس العالم، لعبت 15 مباراة ودية في البرازيل والأرجنتين وأقامت معسكرات في أميركا الجنوبية. وإيران وعمان أقامتا معسكرات في اﻹمارات العربية المتحدة وأوروبا لمدة ثلاثة أسابيع ولعبتا سبع مباريات ودية. أما الفريق اللبناني، فتمرن فقط لأسبوع واحد ومن دون أن يلعب أية مباراة ودية، فلعب في تصفيات كأس العالم في قطر والآن لعب أربعة في آسيا !!!! مشكلتي في لبنان أنه ليس لدينا ملاعب، وكل اللاعبين من مدينة صغيرة واحدة وهي الجناح، واﻹتحاد ينقصه الكثير من المال. لكني أعلم أنه يمكننا إيجاد الكثير من اللاعبين الجيدين في لبنان، أحتاج الى كل اللاعبين الموهوبين من كل المناطق اللبنانية أن يأتوا للعب كرة القدم الشاطئية. وأحتاج أيضاً لدعم من اﻹتحاد اللبناني للفريق واللاعبين، كما ينقصنا أيضاً ملعب مميز وخاص بهذه الرياضة.

وختم المدرب المحنك كلامه: أخيراً، بعد ثلاث سنوات من عملي في لبنان، أضحى كل العالم يعرف بأن المنتخب اللبناني هو منتخب قوي جداً على الصعيد العالمي وليس فقط في آسيا، وكنا قد هزمنا فرقاً قويةً جداً في السنوات الثلاث الماضية.

 

محمد مرعي: الحظ ابعدنا عن كأس العالم ونحتاج الى رعاية

وللإضاءة أكثر على موضوع اللاعبين وما يلزمهم في لبنان، توجهنا الى لاعب المنتخب محمد مرعي الذي سألناه عما إذا كان الإتحاد مهتماً بهذه اللعبة، ليجيبنا: إننا نأخذ المباريات على عاتقنا كوننا نحن الذين يعتمد علينا الجهاز الفني، لذلك لا يمكنني الآن أن ألوم اﻹتحاد الذي يمكن أن يكون قد وضع إمكانيات محدودة لهذه اللعبة. و لكن أتمنى وجود إمكانيات مادية أكبر ﻷنه لدينا لاعبون جيدون يمتلكون القدرة الفنية والروح القتالية العالية،  كما وأتمنى أيضاً أن يكون هناك راعياً من خارج اﻹتحاد ينسق معه ليتبنيا معاً هذه اللعبة كي نصل إلى أبعد مدى ممكن في البطولات، وأعتقد أن لدينا قدرة الوصول الى مصاف متقدمة.

وعن طموحه في هذه اللعبة، قال محمد ان طموحه هو أن يحققوا بطولات كثيرة، ولكن الطموح الأكبر هو الوصول إلى كأس العالم. وتحدث عن الصعوبات التي تواجههم، قائلاً: إننا نمارس هذه اللعبة منذ أن كنا صغاراً كوننا نعيش على البحر في منطقة الجناح، لكن الصعوبات بدأت فعلياً عندما تأسس المنتخب في العام 2010، وأصبح عندنا هدف تحقيق شيء ما في هذه اللعبة لنا وللبنان.

واشار الى أن لعبة كرة الشاطئ كسائر ألعاب كرة القدم، فلكي يكون اللاعب محترفاً يجب أن يتأمن له كل شيء وأن يكون مرتاحاً نفسياً وذهنياً ومادياً، طبعاً دون إغفال أهمية تأمين التجهيزات كالمعسكرات قبل البطولة.

 

ثم استرسل مرعي بالحديث عن رؤيته لمستقبل لبنان في الكرة الشاطئية بعد التصفيات، وعن أصعب مباراة خاضها، فقال: بعد التصفيات أرى أن هذه اللعبة ستتطور بشكل كبير في لبنان، خصوصاً أن المنتخب يحقق نتائج جيدة في أي بطولة يخوضها، إننا ننافس أقوى منتخبات العالم. لذلك هذا المنتخب يستحق النظر إليه إعلامياً وإتحادياً، ﻷنه وكما قلت سابقاً يمتلك قدرة عالية في اللعب. أما بالنسبة ﻷصعب مباراة خضتها، فهي مباراة نصف نهائي تصفيات كأس العالم أمام المنتخب العماني الذي خسرنا ضده في آخر ثلاثين ثانية؛ أعلم أننا قدمنا مباراة جيدة ولكن بعض اﻷخطاء التي صدرت منا كلفتنا المباراة، مؤكداً أنه ليس هناك أسباب فنية أخرجتهم من التصفيات كون هذه اللعبة تعتمد على الحظ، فالحظ وحده هو الذي لم يحالفهم للتأهل إلى كأس العالم.

وشدّد أيضاً على أنهم برهنوا لجميع المنتخبات الآسيوية إمتلاكهم قدرة الفوز على أي منتخب، فهم تغلبوا على منتخبات تلعب منذ سنين طويلة، أما المنتخب اللبناني عمره فقط أربع سنوات وبشكل جدي وفعلي عمره لا يتعدى  السنتين، لأنه في العام 2012 جاء المدرب وبدأوا التمرين على أصول اللعبة. وخلال هاتين السنتين حققوا إنجازاً كبيراً في هذه اللعبة.

وأنهى كلامه بتكرار تأكيده على وجوب نيل كرة القدم الشاطئية اللبنانية إهتماماً إتحادياً وإعلامياً أكبر، يساعده وزملائه على الوصول بها إلى القمة.

 

محمد شكر: ألوم المعنيين لعدم تأهلنا

ثم كان لنا حواراً موجزاً مع لاعب آخر في منتخب لبنان، وهو حارس المرمى محمد شكر الذي بادرنا بسؤاله على من يقع اللوم في خسارة بطاقة التأهل لكأس العالم. ليعلن إنه يلوم المعنيين الذين لم يهتموا أبداً بهذه اللعبة إن من ناحية المعسكرات والمباريات أو اللاعبين في المنتخب، فهذه اللعبة كما أضاف ليست بيده أو بيد لاعب آخر، إنها بيد المعنيين.

وبالتطرق الى ما يتطلع لإنجازه في المستقبل، قال بأن طموحه كأي لاعب غيره، هو الإحتراف بالخارج وطبعاً الوصول إلى كأس العالم، ليعود ويخبرنا محمد عن بداياته بممارسة هذه اللعبة فقال: عندما كنت ألعب في المبرة، كان هناك لاعب إسمه حسين عبدالله وكان يلعب كرة القدم الشاطئية، فطلب مني اللعب معه وأصر أكثر من مرة، عند ذلك إلتجأت إلى هذه اللعبة.

واوضح أن تلك اللعبة مختلفة عن سائر ألعاب كرة القدم، فلديها صعوبات عدة كالقوانين الموجودة فيها، فالحارس مثلاً بحاجة أن يتعلم التسديد وردة الفعل وطبعاً أسلوب السرعة، ولا ننسى اﻹعتماد على الذهن.

أما باستفسارنا عن سبب عدم تأهلهم لكأس العالم، أجاب شكر بأن الحظ واﻹرهاق وطبعاً قلة المعسكرات والمباريات الودية قبل هذه البطولة، تختصر اﻷسباب التي لم تخولهم التأهل إلى الكأس.

ووافق رأي زميله في المنتخب محمد مرعي بأنّ المباراة أمام عمان هي أصعب مباراة لعبوها ﻷنها كانت تحسم التأهل لكأس العالم، ما يعني بنظره أن كل اللاعبين كانوا تحت ضغط قوي جداً، وكانوا خائفين من إرتكاب أي خطأ كون هذه المباراة كانت هي الفاصلة.

وعندما تلقت شباكهم هدفاً في آخر 30 ثانية، لم يستطع أحداً منهم التعويض. وقدم إعتذاره الشديد للجمهور بسبب عدم وصولهم لكأس العالم، كما أثنى على دعم السيد أحمد الموسوي للمنتخب موجهاً له شكره الخاص. متمنياً في النهاية أن يحصل الدوري على الدعم المادي اللازم لجعله قوياً، وعلى فصل كرة القدم الشاطئية عن أي كرة أخرى.

 

عباس زلزلي: هناك ضرورة لتغيير طريقة التعاطي مع المنتخب

ولأنه لا يوجد رياضة تستطيع النهوض والتألق بدون تغطية إعلامية، كان لقاؤنا الأخير مع  المنسق الإعلامي للمنتخب الوطني عباس زلزلي الذي إستعرض من موقعه في بعثة منتخب الأرز الأخيرة، الحقيقة الراهنة لهذه الرياضة بلمحة مختصرة مركزاً على النقاط التالية:

- التحضيرات كانت كالعادة على قدر الإمكانيات المتواضعة، فاستعد المنتخب بمعسكر لأسبوع واحد في الدوحة قبل انطلاق البطولة.

- التغطية الإعلامية يمكن إعطاؤها علامة ١/20 مقارنة مع المنتخبات الأخرى. كرة القدم الشاطئية رياضة مثيرة، وللعلم ان منتخبنا حل ثانياً في بطولة العرب سابقاً،لكن هذا المنتخب مظلوم إعلامياً إنجازاته كبيرة،  ولا دعم واهتمام كافيين. فلا أؤيد مطلقاً المقارنة مع منتخبات أخرى، وأكرر أن هذه اللعبة مظلومة من قبل وسائل الإعلام والزملاء الإعلاميين.

- الحديث عن إنشاء أكاديميات لإعطاء اللعبة حقها لا يمكن التعويل عليه، لأني أودّ أن أذكّر الجميع أنّ منتخبنا سبق وتغلّب على الأرجنتين والبرتغال وقارع المنتخبات العالمية وأبطال اللعبة، ولم يحظ بتغطية إعلامية عادية على الأقل.

وتابع زلزلي شارحاً ما حصل مع المنتخب في تصفيات كأس العالم، مثبتاً أنّه رغم عدم التأهل لمونديال البرتغال، لكن بحسب كل النقاد كان منتخبنا الأفضل في البطولة ولا يمكن التغاضي عن أنه عاد في المركز الرابع آسيويا متقدماً على الكويت والإمارات والبحرين وفيتنام وأوزبكستان  والعراق وغيرها من المنتخبات التي صرفت ملايين الدولارات. لذا حاضر اللعبة يستوجب الإهتمام باللاعبين قدر الإمكان، أما الخوف من المستقبل فهو موجود لأن لا أحد يعلم الى متى سيصبر اللاعبون وهم يحققون الإنجاز تلو الإنجاز ولا أحد يكافئهم حتى. هذا بالإضافة الى أن هناك ضرورة لتغيير طريقة التعاطي مع هذا المنتخب تحديداً.

لقد اعتدنا في كل مرة ان نلقي المسؤولية على الإتحاد، وهنا لست أدافع عن أحد وأؤكد أن الاتحاد مقصر جداً بحق هذا المنتخب، ولكن من الناحية الإعلامية فلا علاقة له إذ هذه المسؤولية تقع علينا نحن أولاً كلبنانيين وثانياً كإعلاميين. إنّما للأسف يبدو أنّ البعض قد ابتعد كثيراً عن الرسالة الحقيقية للإعلام،  فالمنتخب الذي لم يحالفه الحظ بالتأهل الى المونديال وخسر الفرصة في الثلاثين ثانية الأخيرة أمام عمان وعاد بالمركز الرابع آسيوياً، لم يجد في المطار لإستقباله سوى ٤ او ٥ صحفيين...

 

مرة أخرى يؤكد الشباب اللبناني للعالم أجمع قدرته على التميز في مختلف الحقول، متحدياً واقعه المعيشي المرير وغياب الخطط التنموية البعيدة المدى، فها هو يحلق عالياً في سماء رياضة حديثة العهد نسبياً مطلقاً جرس إنذار بوجه منتخبات عريقة لا يعوزها اهتماماً مالياً أو معنوياً وإعلامياً. فهل يمكن أن يستفيق أحداً من المسؤولين المعنيين بالرياضة في الدولة اللبنانية، ويعمل على إحاطة كرة القدم الشاطئية اللبنانية بالرعاية الواجبة لتحقيق المزيد من النجاحات؟؟